الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

64

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ في سورة [ البقرة : 79 ] . والقاسي : المتصف بالقساوة في الحال ، وحقيقة القساوة : الغلظ والصلابة في الأجسام ، وقد تقدمت عند قوله تعالى : فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] . وقسوة القلب : مستعارة لقلة تأثّر العقل بما يسدى إلى صاحبه من المواعظ ونحوها ، ويقابل هذه الاستعارة استعارة اللين لسرعة التأثر بالنصائح ونحوها ، كما سيأتي في قوله تعالى : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ [ الزمر : 23 ] . و مِنْ في قوله : مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ يجوز أن تكون بمعنى ( عن ) بتضمين الْقاسِيَةِ معنى المعرضة والنافرة ، وقد عدّ مرادف معنى ( عن ) من معاني مِنْ ، واستشهد له في « مغني اللبيب » بهذه الآية وبقوله تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا [ ق : 22 ] ، وفيه نظر ، لإمكان حملهما على معنيين شائعين من معاني مِنْ وهما معنى التعليل في الآية الأولى كقولهم : سقاهم من الغيمة ، أي لأجل العطش ، قاله الزمخشري . وجعل المعنى : أن قسوة قلوبهم حصلت فيهم من أجل ذكر اللّه ، ومعنى الابتداء في الآية الثانية ، أي قست قلوبهم ابتداء من سماع ذكر اللّه . والمراد بذكر اللّه القرآن وإضافته إلى اللّه زيادة تشريف له . والمعنى : أنهم إذا تليت آية اشمأزّوا فتمكن الاشمئزاز منهم فقست قلوبهم . وحاصل المعنى : أن كفرهم يحملهم على كراهية ما يسمعونه من الدعوة إلى الإسلام بالقرآن فكلما سمعوه أعرضوا وعاندوا وتجددت كراهية الإسلام في قلوبهم حتى ترسخ تلك الكراهية في قلوبهم فتصير قلوبهم قاسية . فكان القرآن أن سبب اطمئنان قلوب المؤمنين قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] . وكان سببا في قساوة قلوب الكافرين . وسبب ذلك اختلاف القابلية فإن السبب الواحد تختلف آثاره وأفعاله باختلاف القابلية ، وإنما تعرف خصائص الأشياء باعتبار غالب آثارها في غالب المتأثرات ، فذكر اللّه سبب في لين القلوب وإشراقها إذا كانت القلوب سليمة من مرض العناد والمكابرة والكبر ، فإذا حلّ فيها هذا المرض صارت إذا ذكر اللّه عندها أشد مرضا مما كانت عليه . وجملة أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما قبله من الحكم بأن قساوة قلوبهم من أجل أن يذكر اللّه عندهم يثير في نفس السامع أن يتساءل : كيف كان ذكر اللّه سبب قساوة قلوبهم ؟ فأفيد بأن سبب ذلك هو أنهم متمكنون من الضلالة منغمسون في حمأتها فكان ضلالهم أشدّ من أن يتقشع حين يسمعون ذكر اللّه .